محمد جمال الدين القاسمي
217
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
يعيره بالفقر . وقيل : المنّ أن يتكبر عليه لأجل عطائه . والأذى أن ينتهره أو يوبخه بالمسألة . وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « لا يقبل اللّه صدقة منان » . وعندي أن المنّ له أصل ومغرس . وهو من أحوال القلب وصفاته . ثم يتفرع عليه أحوال ظاهرة على اللسان والجوارح . فأصله أن يرى نفسه محسنا إليه ومنعما عليه . وحقه أن يرى الفقير محسنا إليه بقبول حق اللّه عزّ وجلّ منه ، الذي هو طهرته ونجاته من النار . وأنه لو لم يقبله لبقي مرتهنا به . فحقه أن يتقلد منة الفقير إذ جعل كفه نائبا عن اللّه عزّ وجلّ في قبض حق اللّه عز وجل . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : إن الصدقة تقع بيد اللّه عز وجل قبل أن تقع في يد السائل » . فليتحقق أنه مسلّم إلى اللّه عزّ وجلّ حقه . والفقير آخذ من اللّه تعالى رزقه بعد صيرورته إلى اللّه عزّ وجلّ . ولو كان عليه دين لإنسان فأحال به عبده أو خادمه الذي هو متكفل برزقه لكان اعتقاد مؤدي الدين كون القابض تحت منته سفها وجهلا . فإن المحسن إليه هو المتكفل برزقه . أما هو فإنما يقضي الذي لزمه بشراء ما أحبه . فهو ساع في حق نفسه . فلم يمنّ به على غيره ؟ ومهما عرف المعاني الثلاثة التي ذكرناها قبل ، أو أحدها لم ير نفسه محسنا إلا إلى نفسه . إما ببذل ماله إظهارا لحب اللّه تعالى أو تطهيرا لنفسه عن رذيلة البخل ، أو شكرا على نعمة المال طلبا للمزيد . وكيفما كان فلا معاملة بينه وبين الفقير حتى يرى نفسه محسنا إليه . ومهما حصل هذا الجهل بأن رأى نفسه محسنا إليه تفرع منه على ظاهره ، ما ذكر في معنى المنّ . وهو التحدث به وإظهاره وطلب المكافأة منه بالشكر والدعاء ، والخدمة والتوقير والتعظيم ، والقيام بالحقوق والتقديم في المجالس ، والمتابعة في الأمور . فهذه كلها ثمرات المنّة . ومعنى المنة في الباطن ما ذكرناه . وأما الأذى فظاهره التوبيخ والتعيير وتخشين الكلام وتقطيب الوجه وهتك الستر بالإظهار ، وفنون الاستخفاف وباطنه وهو منبعه أمران : أحدهما كراهيته لرفع اليد عن المال وشدة ذلك على نفسه ، فإن ذلك يضيق الخلق لا محالة ، والثاني رؤيته أنه خير من الفقير وأن الفقير لسبب حاجته أخسّ منه وكلاهما منشؤه الجهل . أما كراهيته تسليم المال فهو حمق . لأن من كره بذل درهم في مقابلة ما يسوي ألفا فهو شديد الحمق ، ومعلوم أنه يبذل المال لطلب رضا اللّه عزّ وجلّ ، والثواب في الدار الآخرة . وذلك أشرف مما بذله أو يبذله لتطهير نفسه عن رذيلة البخل ، أو شكره لطلب المزيد . وكيفما فرض فالكراهة لا وجه لها . وأما الثاني فهو أيضا جهل لأنه لو عرف
--> ( 1 ) أخرجه الدارقطني في ( الإفراد ) من حديث ابن عباس . وقال : غريب من حديث عكرمة عنه . ورواه البيهقي في ( شعب الإيمان ) بسند ضعيف .